عثمان بن جني ( ابن جني )

394

الخصائص

وأنشدوا قوله : فإنك لا تدرى متى الموت جائئ * إليك ولا ما يحدث اللّه في غد " 1 " قيل : أجل ، قد جاء هذا ، لكن الهمز الذي فيه عرض عن صحّة صنعة ، ألا ترى أنّ عين ( فاعل ) مما هي فيه حرف علة لا تأتى إلا مهموزة ؛ نحو قائم وبائع ، فاجتمعت همزة ( فاعل ) ( وهمزة لامه ) " 2 " ، فصحّحها بعضهم في بعض الاستعمال " 3 " . وكذلك خطائئ وبابها : عرضت همزة ( فعائل ) عن وجوب ، كهمزة سفائن ورسائل ، واللام مهموزة ، فصحّت في بعض الأحوال بعد وجوب اجتماع الهمزتين . فأما أشأؤها وأدأؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين " 4 " . وكيف تكونان

--> ( 1 ) البيت من الطويل وهو بلا نسبة في الإنصاف 2 / 729 ، وتذكرة النحاة ص 637 ، وشرح الأشمونى 1 / 44 . وعجزه : * ولكنّ أقصى مدّة الموت عاجل * وفي نسخة : " إليك وما ذا تحدث " بدل " إليك ولا ما يحدث " . ( 2 ) قال في الإنصاف ( 2 / 728 ) : " ولم يأت اجتماع الهمزتين في شيء من كلامهم إلا في بيت واحد أنشده قطرب " ثم ذكر الشاهد السابق ، وعلق الشيخ محمد محيي الدين قائلا : " ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله " جائئ " واعلم أولا أن هذه الكلمة تروى بهمزتين وتروى بهمزة فياء متحركة بحركة الإعراب وهي الضمة ، واعلم ثانيا أن الأصل الأصيل في هذه الكلمة " جايئ " بياء ثم همزة ؛ لأنه اسم الفاعل من جاء يجيء مثل باع يبيع ، فانقلبت ياؤه همزة لوقوعها عين اسم فاعل فعل أعلت فيه ، أو لكونها بعد ألف زائدة ، فصار " جائئ " بهمزتين والقياس في مثل ذلك أن تقلب الهمزة المتطرفة ياء لكونها ثانية همزتين في موقع اللام من الكلمة فيقال : " جائى " والنحاة يروونه على هذه الصورة ويحركون الياء بالضمة ويقولون : إن الشاعر عامل حرف العلة معاملة الحرف الصحيح وبعبارة أخرى " إن الشاعر عاود الأصل المهجور ، ورجع إليه ، وترك الفرع الذي صار إليه العمل . . . وهذا الرجوع ضرورة من ضرورات الشعر " إلى أن قال : " ولكن قطرب بن المستنير روى هذه الكلمة " متى الموت جائئ " بهمزتين ، ليفر من هذه الضرورة ، وفاته أنه وقع في ضرورة أخرى ، وذلك لأن الهمزتين المتطرفتين إذا تحركتا وانكسرت أولهما وجب قلب الثانية ياء ، وذلك لأن آخر الكلمة بعرض التسكين للوقف ، فتكون الثانية كأنها متطرفة ساكنة إثر أخرى مكسورة ، فبقاء الهمزتين ليس هو المستعمل في العربية فيكون ضرورة ، فيصدق عليه المثل : " هرب من المطر فوقف تحت ميزاب " الانتصاف من الإنصاف 2 / 729 ، 730 ، وانظر الكتاب 4 / 376 . قلت : و " جائى " على معاملة حرف العلة معاملة الحرف الصحيح وإلا فاسم الفاعل منه جاء . ( 3 ) انظر شذا العرف بتحقيقى ط . دار الكتب العلمية . ( 4 ) في نسخة : بأصليتين .